الشيخ محمد رشيد رضا

4

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأوقات ، والمراد عليه انهم ما داموا على صفاتهم التي هم عليها في زمن اقتراح الآيات لا يؤمنون وإذا شاء اللّه أن يزيلها فعل . والظاهر أنه مؤيد لذلك الجزم بعدم إيمان هؤلاء الناس الموصوفين بما ذكر من العناد والكبرياء والمكابرة ومعناه : ان سنة اللّه تعالى في فقدهم الاستعداد للايمان جارية بحسب مشيئته تعالى ككل ما يجري في هذا العالم ولو شاء غير ذلك لكان ، ولكنه لا يشاء لأنه تغيير لسننه ، وتبديل لطباع هذا النوع من خلقه ( الانسان ) فهو إذا مزيد تأكيد لنفي الايمان عنهم ، والأستاذ الامام يعد من هذا التأكيد قوله تعالى ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) فالمراد انه لا ينسى البتة ، وقد يفسر به ما استشكلوه وذهبوا المذاهب في تأويله من آيتي سورة هود ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) ولا حجة في الاستثناء بالمشيئة في هذه الآية وأمثالها للجبرية على جبرهم ولا للقائلين بخلق اللّه تعالى للشر ولا لمنكريه فكل ما يجري في الكون من أعمال البشر الاختيارية خيرها وشرها جار بنظام وسنن حكمية وكلها بمشيئة اللّه تعالى وما هو شر من أفعال الناس الاختيارية لقبحه ولما يترتب عليه من ضررهم به وعقابهم عليه لا يستلزم ما قالته تلك الفرق كما بيناه مرارا في هذا التفسير وفي مباحث أخرى من المنار . ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) سنن اللّه تعالى في عباده وانطباقها على الافراد والجماعات لذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحو الآيات ما اقترحوه لظنهم أنه يكون سببا لايمانهم ، وليست الآيات بملزمة ولا مغيرة لطباع البشر في اختيار ما ترجح عند كل منهم بحسب نظره فيها وفي غيرها ، ولو شاء تعالى لجعلها كذلك ولو شاء أيضا لخلق الايمان في قلوب البشر خلقا لا عمل لهم فيه ولا اختيار . وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى رسل بل لا يكونون هم هذا النوع من الخلق الذي سمي الانسان . ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الجملة الأخيرة نزلت في المؤمنين فان أكثرهم يجهلون قطعا ان هؤلاء المقترحين المعاندين من الذين فقدوا الاستعداد للايمان والاستعداد للنظر الصحيح في الآيات والدلائل الموصلة اليه . وذهب بعضهم إلى أنها في الكافرين الذين لا يؤمنون كالجمل قبلها ولا شك أن جهلهم عظيم في هذا الامر وفي غيره ، ويرجح الأول اسناد الجهل إلى أكثرهم وهو عام شامل لهم